الاثنين، 30 يناير 2012

رسالة إلي السيد عادي 5 * عن الحياة

في معترك التيه و الحزن ، في تباين الخطأ و الصواب .. أتعرف أين قد تجد الراحة ؛ نعم .. في عيني شهيد
عندما تتعبق ذكري الأيام برائحة الدم و تجول بعينيك فتجد الأرواح تتبعها الخطي لازالت بنفس المكان .. عند الدم ، لقد كان هذا ديدن الحالمين مذ خلقوا ؛ الحالمين الذين لا تتحقق أحلامهم لأنها لا تنتهي ..

الراحة التي قد تجدها بعفوية مطلقة في عيني ابنة عماد عفت ، راحة انسياب قسماتها فتخيل إليك روحك أنك صرت تري بوضوح تلك المسافة الصغيرة بين الحق و الباطل كأنها بون شاسع لكنه مع ذلك لا يسع حزن عينيها

حين يصحبك الزمن لتيه عقلي حين كنت في الخامسة عشرة من عمري ستعرف أنني عرفت بعد يناير الماضي أن ولدت في مجتمع شوهت كل ملامحه قبل أن تبصر عيناي الحياة ، أما الوقت الذي عشته فقد كان الانتقال من تشويه الملامح إلي تفتيت الصلابة الداخلية للمجتمع حيث تلتقط عيناك كل التفاصيل علي حدة ، تفاصيل الحكاية التي تجتمع هكذا ببساطة و دونما ترتيب مسبق في عيني ابنة شهيد

الثورة التي لم تخرج أجمل ما فينا ، بل أعادت إحياء الإنسان حينما قرر هو أن يستعيد إنسانيته .. و هكذا رأيت الوقت في عينيها رحلة من أجل الإنسان لا تنتهي في يومين أو ثلاث ,, لا يتعجل قطف ثمارها لأنها هي الثمرة .. رحلة تتسع لحزن عينيها و تفني فيها آهات الحالمين و تسمع علي طولها مناجاة اسبارتاكوس و تتخضب أراضيها بدماء الشهداء الذين لم يعرفهم أحد و تلوح في نهايتها صورة الحب التي أبصروها و هم راحلين عن الرحلة نحو الخلود ..

بين عيني ابنة عماد عفت و عيون من صحبوها في المصاب يسطر التاريخ قصة ؛ عن الحياة التي بدأت و لن تنتهي ...

الخميس، 12 يناير 2012

رسالة إلي السيد عادي 1

أكتب إليك الآن رغم أني أحب التأنق روحيا من أجل الكتابة و كانت روحي تبكي منذ قليل ..  و لكني أفضل الكتابة الآن كي تأتي الحروف علي نحو عادي مثلك تماما

هل تعرف أنك الشخص الوحيد الذي كونت عنه انطباعا و كان هذا الانطباع أنه " عادي " ، قد يبدو هذا عاديا أيضا لكن ما لفت انتباهي لوهلة أني لم أجهد نفسي قبلا لتكوين انطباع عن أحدهم ثم يكون .. " عاديا " ...

و مرت الأيام و لم أُحَمل الأمر أكثر مما كان عليه ، دعك من الفلسفات و تعقيدات الكلم و لنبقي هنا قليلا في عالمك أنت .. عالم ثنايا الروح ، حيث تبدو كل الأشياء عادية و في غاية الجمال أيضا .

ربما عاديتك لا تجذب الكثيرين في البداية ، فلا أنت صحبتهم إلي عالمك هذا و ما هم علموا أنهم لن يعرفوا أنت الذي هو أنت إلا هناك .

لماذا الناس لا يحبون الأشياء العادية ؟ و لماذا كنت قبلك خائفة طول الوقت أن تصير حياتي عادية ؟
لا أعرف .. هل تشعر أحيانا أننا نفوت علي أنفسنا فرصة التمتع بالأشياء " العادية " ؟

أثناء خروجي اليوم من المشفي استدعي أذناي أنين طفل صغير ، التفت إليه فوجدت أبوه يطمئنه و يخبره بأن الطبيب قد خلصه أخيرا من الضرس الوحش الذي كان يؤلمه و أنه لا ألم بعد اليوم .. رغم أني كنت متعبة للغاية لكني لم أضيع علي نفسي فرصة التبسم و التمتع بنظرات الأب و الابن .. كانت عادية و جميلة .

و رغم برودة الهواء خارجا لكني نادرا ما أفوت فرصة تأمل لؤلؤات السما الزرقاء ليلا .. ربما هو نفسه المشهد منذ سنوات لكنه دوما عادي جدا و جميل جدا .

لقد اكتشفت بعد ذلك أن الأمر لم يكن متعلقا بالأشياء العادية .. بل هو متعلق بدواخلنا نحن ، معقود بروح إنسان لازالت تحتفظ بدهشة طفل فتمنح الحياة حقيقتها و تلتقي  بثنايا الروح من كل ما في الكون .

لكن دعنا من كل هذا .. لقد كتبت إليك اليوم رسالة عادية جدا حذفت منها سطرها الأخير لأني أعلم أنك الوحيد الذي سيفهمه علي نحو عادي .

27 ديسمبر 2011 الرابعة فجرا