الاثنين، 10 فبراير 2014

الرقة والجرأة والبراءة

هو كان يقول أننا نعتاد الأحداث ..نعتاد السخط والألم والوجع ..تقتات علينا الحياة فنألف منها ذلك وبعد مرور قليل أو كثير من الوقت تصبح جميع الأشياء متشابهة بالنهاية ..الحياة لم تكن تقتات علينا كانت في الحقيقة تقتات علي شعورنا تجاهها .

بينما كانت هناك تلك الفتاة التي لم تألف يوما الشعور علي اختلافه فرحا مرة و حزنا مرات ،كان الوجع يصافح قلبها كل مرة كأنها المرة الأولي ،كانت تخبر نفسها في كل مرة أن المرة القادمة ستكون هي أكثر اعتياديا علي الوجع .
ولكن ذلك لم يحدث قط .

لم تكن تفهم سر ذلك في البداية ولكنها تعلمت في أحد الأيام أنها كانت طول الوقت تدافع عن قلبها ،تدافع عنه ضد اعتياد الأشياء ..هي لم تكن تعلم أن الاعتياد سيجعل الحياة كلها رمادية اللون لا فرق بين هذا وذاك ولكنها عرفت ذلك فيه عندما أحبته ..عرفت كم هو الاعتياد قاسٍ وشاق ..

القلوب الرقيقة الجريئة البريئة هي وحدها التي تَخبُر الألم لأول مرة في كل مرة وهي وحدها التي تدافع عن حقها كاملا في هذا الألم بدلا من اعتياده ..الرقة والجرأة والبراءة التي كانت تتبدي أمام عينيها جلية واضحة وسط كل مصيبة كانت تهون عنها الكثير فتبتسم وتردد "لكن في حاجة جريئة وبريئة وينفع تدوم في القلوب الرقيقة" .

الثلاثاء، 25 يونيو 2013

إمكانية اغتنام لحظة حلوة ..

منذ عدة سنوات كان لدي صديقة كنت أصفها بيني وبين نفسي أنها ماهرة في اغتنام اللحظة الحلوة.. اللحظة الحلوة لا تتميز بأنها ممتعة فحسب؛ علي العكس ربما لا تكون المتعة حالا دائما لها .. لكن التحرر والخروج عن المألوف هو ما يتربع مزينا ببساطتة روح تلك اللحظة فيجعلها حلوة خفيفة تمر بانسيابية وأريحية غير معتادة .

اليوم صباحا تأخر الدكتور عن المحاضرة وأثناء ذلك كنت أقرأ كتاب فُتنت به بامتياز حتي صرت أخشي الاسترسال فيه مخافة أن ينتهي، كان الكاتب يحكي لحبيبته أنه سوف يطوق ظهرها بذراعيه وسوف يقومون بطبخ ما يخطر ببالهم غير ملتفتين لقوانين أكلات الطبخ.. في هذه اللحظة تمكن الكاتب ببساطة من منحي تلك اللحظة الحلوة وتمكن من نقل إحساسه الخفيف المرهف المحمل بالكثير من دفء حبه لحبيبته إلي، قال إنه يحب القرب منها حتي أنه يغنيه عن فعل الكتابة الذي يقدمه للناس دون أن يطلبوه، الكاتب لن يتخيل ماذا يفعل بالناس عندما يقرأون كلامه المليء بحال اللحظة الحلوة المتحررة .

وعندما عاد الدكتور أخبرنا أن سبب تأخره أنهم أخبروه بموعد المحاضرة منذ قليل لأن الدكتور الأساسي متغيب، وأخبرنا أنه أثناء ذلك كان يقرأ رواية.. حينها شعرت بثقل غريب كان هذا الثقل لأنني نظرت إليه وجدت رجلا ربما في أواخر الأربعينيات يعمل طبيبا ويقرأ رواية في الصباح الباكر.. نعم هو كان يغتنم قدرا لطيفا من اللحظة الحلوة .

أما الثقل فقد كان ناتجا عن شعوري بالعجز لأنني لم أتمكن من الشعور بهذه اللحظة الحلوة منذ وقت طويل جراء مصائب الحياة التي تلفنا ليل نهار، وأما ما هو موجع أكثر من العجز عن العبور داخل لحظة حلوة هو وجع تكلفها وتحفيز النفس للوصول إليها.. لأن اللحظة الحلوة ليست شيئا تتم صناعته وتعبئته بل هو شعور عابر  ناتج عن تفاعل كثير من الأشياء داخل بواطن النفس.. هي أشياء عميقة وخاصة جدا ويصعب التعامل معها بشكل خارجي يجعلك تتخيل أن بذل مزيد من الجهد قد يمكنك من الحصول علي لحظة حلوة .


أما الشيء الغريب الجميل فهو ذلك الحب الذي يمنح المحبين تلك الإمكانية الإنسانية الواسعة لفعل أشياء ربما لم تخطر علي بال، هو ذلك الشيء الذي يغلف الروح فيمنحها قدرا لا نهائيا من الرقة والصدق والعفوية فتنفجر كل إمكاناتها صادقة وحقيقية؛ الحب هو ذلك الشيء الوحيد ربما الذي يمكنه ببساطة أن يجعل من كل اللحظات لحظة حلوة مستمرة . 

الاثنين، 21 يناير 2013

كتابة عفوية

منذ عدة أيام في طريقي للجامعة لمحت عيناي جذع شجرة مكتوب عليها (فاطمة .. ياسمين .. محمد -بحروف أعجمية) ، كانت الشجرة متكأة بأريحية علي سور مدرسة ولما استقرت عيناي عندها انفرجت روحي علي ابتسامة واسعة ، وتذكرت ذلك اليوم الذي قرأت فيه أحلام ناس كثيرة منثورة علي أوراق خضراء لشجرة الأحلام-في إحدي فعاليات نشاط طلابي- ولم أجدني أكن احتراما سوي لأمنية واحدة "يارب رنا تحبني" .
في الحقيقة أنا لا أعرف ما الذي جذبني تحديدا أهو الحب الكامن في الحروف أم هي الكتابة العفوية ؛ أنا من أكثر الأشخاص الذين عرفتهم عفوية ، والعفوية هذه شيء لا نملك إضافته أو نزعه عنا .. هي ببساطة شيء يشعره االناس بمجرد النظر إلي ملامحك التي تشي بالعفوية .
ورغم أن العفوية قد تسبب كثيرا من الحرج في المشاعر قبل المواقف ، إلا أنها تحمل الصدق دوما و الصدق جميل .. تنساب من بين ثنايا الروح و تعبر وسط طيات القلب دون موانع أو حواجز أو أسوار تقرر لها ما ينبغي أن يخرج و ما لا ينبغي له ؛ والحرج ينتج من أنها دوما ما تفاجئك بردود أفعال لم تكن تتوقعها من نفسك و تشعرك بأنك طفل ، ربما يكمن سر الجمال في الأطفال في كونهم حديثي عهد بالدنيا ، بعيونهم فرحة الأشياء الجديدة في الحياة .. والعفوية بها روح من تلك البراءة الأولي .
منذ أسبوعين كنت أكتب جواب إلي فاطمة-فاطمة جميلة للغاية- وأثناء ذلك كنت أشعر بمعني كبير داخلي هو أنه يوما ما عندما كان الجواب جزء من كل من حياة أناس ما ، كان هؤلاء الناس لديهم من الشعور ما يجعلهم أكثر منا صدقا وعفوية .
واليوم أثناء ذهابي للجامعة صار تأمل تلك الحروف المرسومة علي الشجرة من مصادر البهجة بالنسبة إلي فأخذت أنظر إليها ؛ و تذكرت عندما كنا صغارا وقتما غرسوا فينا الشعور بأن الكتابة حرام .. الكتابة علي المرافق العامة حرام و الكتابة علي آثار الفراعنة حرام و في مدرستي كان الذي يكتب علي الحائط أو المقاعد يعاقب بأن يقوم بتنظيف ما فعله ، استحضرت كل ذلك في نفسي وقلت " تبا لكم الكتابة جميلة .. أنتم لا تسطيعون تذوقها فقط فالعيب في فطرتكم لا في فطرة من يكتب " .. الحروف و الرسوم في الأماكن هي نوع من جعل الأشياء العامة أشياء خاصة وتلك الخصوصية بها الكثير من الجرأة و الحب والعفوية .. وعندما تتمتع الأماكن بالخصوصية فذلك يحملها عبقا جميلا من الذكريات الكثيرة المختلفة ،حتي الشجرة بدت جميلة وهي تعلن للعالم أن فاطمة و ياسمين و محمد كانوا هنا و رسموا بالطبشور حروفهم عليها .. المشاعر هي الألوان التي تكسب للحياة رونقها الحقيقي ؛ والتعبير عن المشاعر في صورة رسوم أو حروف يكسر نمطية و فراغ الأمكنة و يضفي عليها حميمية جميلة .
و جال بخاطري أنه ربما يستخدم البعض ذلك ويرسموا أشياء قد لا تبدو في نظري جميلة وربما تكدر صفوي ؛ثم فكرت و تذكرت أن المهم أن يُمنح الناس الإمكانية و البراح للحب و الحلم والتعبير وأن نفك القيد ومن ثم سيتبع ذلك ظهور معاني الجيد و الرديء وإن تطلب ذلك وقتا .
في الحقيقة أنا في داخلي شوق كبير لرؤية تلك الأمكنة لا بل هؤلاء الأشخاص الذين يزينون الأمكنة بالكتابة العفوية الجميلة .

الثلاثاء، 7 أغسطس 2012

رسالة إلي عنان *11 عن الفراق

حين يقع الموت من حولي يا عنان سواء حديثا أو حادثا حقيقيا أبدو أنا دوما كأكثر الأشخاص تماسكا عن الباقين ؛ ربما تظنين بأني أتجاهله حتي لا أعرف مذاقه .. لكن الحقيقة هي أني أتجاهله لأني أعرف مذاقه جيدا .. حياتي كلها مشبعة بتفاصيل الفراق ؛ اجترار الذكريات قد يبدو دوما للجميع شيئا رومانسيا يثير الشجن للحظات و يرحل ، لكنه في الحقيقة ليس كذلك لأصحاب الذكريات ؛ ببساطة لأننا تشكلنا من هذه الذكريات

ذكري اليوم الذي وقفت فيه بزاوية الشرفة ليخبرني فيه طفل صغير بأعظم خبر قد تسمعه طفلة في حياتها حتي أنه من هوله يبدو شيئا عصيا عن الفهم وفقا لمفردات عالمها الصغير ؛ لقد أخبرها بأن والدتها ماتت لكن ماذا يعني هذا بالضبط هي لا تعرف ؛ فقط لاحظت أنهم لم يعودوا للمنزل بعد ذلك اليوم و أنها انتقلت لمدرسة أخري و أن جدتها صارت تقوم بأشياء كثيرة من التي كانت تقوم بها ماما ..

لكن الأطفال يكبرون يا عنان و يفهمون تلك الأشياء العصية فقد شاء الله أن ترحل الجدة أيضا السنة الماضية ؛ و هذه المرة كنت أدرك جيدا معني الموت ربما لذلك شعرت بأن بكائي و حزني لم يكن علي جدتي فقط لأنه في الحقيقة كان عليها بالإضافة لحزن كبير مؤجل منذ خمسة عشر عاما ؛ فحينها فقط شعرت بأن أمي قد ماتت حقا ؛ لا أنكر أن فجيعتي فيها كانت كبيرة و طويلة حتي أني وصلت لمرحلة أدركت فيها بأني انشغلت عن الله بالحزن تماما كما ينشغل البعض عن الله بالفرح ..

رغم أن رحيل جدتي أزاح عني الخوف الذي كنت أشعر به كلما مرت سيارة تنادي باسم أحد الموتي في الشارع .. ذهب الخوف لأن الجدة ذهبت و لم يعد هناك قلقا علي أن أصاب بالحزن عليها مرة أخري ..

لكني رغم ذلك أخاف عليكِ أنتِ ، و لذلك أكتب لك هذه الرسائل و التي يظنها البعض جنونا ؛ فما الداعي لأن أكتب رسائل لمخلوق لم يوجد بعد و لا أعرفه و لا أعرف ما الذي يحتاجه .. أنا أعرف أنهم لا يعرفون بأني أخاف من أن أرحل أنا أيضا عنكِ و أنتِ صغيرة كما رحلت عني أمي ، رحلت قبل أن نتبادل حديثا واحدا ناضجا .. لذلك أنا أكتب لكِ هذه الرسائل لعلي أرحل مثلها و لعلك تجففين بين حروفها دموعك علي فراقي لكِ و تجدين بها سلوي لك أو نصيحة أو شعور أو سؤال أو جواب .. ربما تعلمك أيضا بأن هذه الأمر اعتيادي يا عنان .. الموت اعتيادي !

و لأجل هذه الرحلة الطويلة مع الموت لا تجدينني متأثرة إن تحدث الناس حولي عنه .. الموت يكسر أشياء لصيقة جدا بالروح .. و لا يعرف مذاق هذه الكسرات إلا من خبرها ..

لم أكن أحب أن تبدو هذه الرسالة حزينة بالنسبة إليك ؛ لكن هكذا الدنيا يا عنان ؛ دار فراق لا ينقطع .. لأن الآخرة هي دار البقاء الذي لا ينقطع أيضا

و رغم أن الرسالة لا تحتمل حديث الوعظ لكن تعلقي بالله يا عنان فليس باقٍ إلا وجهه ..







الثلاثاء، 17 يوليو 2012

رسالة إلي عنان *10 عن الغربة

أحيانا يا عنان أشعر بأنك ربما لن تهتمي بقراءة رسائلي العادية إليك ، و أتمني أن تكوني فتاة قوية بما يكفي لأن تملكي حياتك وحدك دون حاجة لمن يقف إلي جوارك حتي لو كان أنا ..
أنا أعرف بأنك ستكونين كذلك و أنا سعيدة بذلك .. لأنني لم أكن يوما قدر التحديات التي واجهتني ربما لأنها كانت أكثر من المحتمل و ربما لأني كنت أضعف من قدرها ..
لكن علي أي حال هذا لا يهم ، و لكني أريدك أيضا أن تقدري حيوات الناس المعقدين منهم و البسطاء ؛ قدريها ببساطة و انظريها بإنصاف لأنك ستدركين في النهاية أن ما من أحد يرحل عن الدنيا إلا و قد مر بأعظم اختبار له ..

اليوم كنت سأحكيك عن وحشة الطريق و غربته ، عن نظرته التي تخبرني دوما بأني لم أكن يوما جيدة كفاية ؛ لقد ظننت منذ مدة أني قد تعافيت و لكن ليس بعد ، فلازالت نظرته قادرة علي تفجير مقلتاي بالدموع بلحظة واحدة

منذ مدة أيضا و أنا أرغب في الذهاب من هنا ، رغم أني تعلمت سابقا أننا لا نفارق الأماكن و الأشخاص و إنما نتحرر من تلك المساحة التي تعودنا إتاحتها لهم ، نتحرر من أشياء لصيقة جدا بأنفسنا كي نكون خالصين لله وحده ، نتحرر من استمداد الثقة منهم كي نستمدها منه وحده ، نتحرر من شعور الأمن معهم كي يكون مع الله وحده ، و عندما نتحرر يا عنان قد تعود هذه الأشياء مرة أخري و قد تذهب و لكننا سنفرد لها دوما مساحة قد تحررنا منها سابقا ..
هل تعرفين يوما ما أخبرتني غادة - علي الذكر غادة جميلة جدا يا عنان و أتمني أن تعرفيها يوما- جملة قاسية للغاية لكنها صحيحة ، عندما سألتها متي يعرف الإنسان إن كان خالصا لله و هو يحب شخصا معينا فقالت بأن ذلك يحدث عندما نجد في أنفسنا القدرة علي تركه لله ،
تذكرت حينها زوجات الشهداء الذين يدفعون أزواجهم للشهادة ، لابد أنهن كن يحترقن ألما لكن معية الله و فردوسه كانوا أكثر قدرة علي تطييب الألم و إحالة نار الوجع إلي زغاريد تحفل بصعوده إلي السماء جميلا هانئا ..
و نبقي نحن هنا كي يواجه كل منا أعظم اختبار له ، لم يعد يخطر ببالي حتي فكرة أن أثبت يوما للآخرين أن ما كان يسمونه جنونا أمارسه صار صحيحا في نهاية المطاف أم لا ، ليس لأني فقط أرفض معاييرهم و لكن لأنه لا أحد يعرف المعايير يا عنان ،
صدقيني البشر مزاجيون لأبعد حد و غير منطقيون أيضا ؛ إنهم يحبون بغير أسباب و يكرهون بغير أسباب و يقيمون الآخرين وفقا لهذه الأسباب التي لم و لن توجد يوما ،
لذلك إن أردتي يوما أن تعرفي ما هو الصحيح و ما هو الخطأ فلا تتجهي لأحد إلا الله ، و لا تتجهي لي أيضا لأن الآخرين في النهاية سيخبرونك عن تفسيراتهم الخاصة لكلام الله ، لكن الله لن تعرفه سوي نفسك التي بين جنبيك و التي هي منه و من آياته فاحتفي بها و لا تكترثي بالآخرين ..

لقد جلست اليوم أفكر في سيدنا موسي كيف قال " كلا إن معي ربي سيهدين " كيف قالها بتلك الثقة و هذا الوضوح ، عرفت أن قول كهذا لا يصدر سوي عن نفس تري الله دوما و تشهد آثاره و أفعاله في كل ما بالكون ، أبصرتها في نفسها و في أفعال الله بها و في كل شئ فلم تكن تلك الكلمة القوية سوي تعبيرا عما تمكن منها ،
و صدقيني يا عنان الله موجود معنا دوما و آياته و آثاره شاخصة في كل ما حولنا نحن فقط من يسدل علي بصره الغشاوة و يعرض عن السبيل ..





الثلاثاء، 12 يونيو 2012

رسالة إلي السيد عادي 12 وحدي

هل تذكر قبلا عندما أخبرتك أني لا أعرف لماذا يختار المحبون البقاء سويا إن كان يمكنك أن تبقي وحيدا و تكون جميلا أيضا
أتراها رغبة في الامتلاك ؛ امتلاك الآخر لكن لا يبدو هذا صحيحا ففي الحب نحن نُمتلك قبل أن نمتلك
نُمتلك و ببساطة هكذا دون إعداد مسبق و دون تفكير ..

لقد زدت اقتناعا بما كنت أقول ، الوحدة جميلة ؛ عندما يكون العالم صاخبا بدرجة كبيرة بما ليس فيه مساحة أن تتشاركك مع الناس ، عندما ينشغل الجميع بأشياء عامة و فضفاضة ليس بها ثمة مكان لك .. يمكنك حينها أن تهرب قليلا من وسط كل ذلك لتستمتع بك أنت .. ستجد الحياة كما كانت دوما غنية و جميلة ..

للوحدة شجن خاص ، و صفة متفردة ، ربما لأنها صغيرة و الأشياء الصغيرة في نظري تصبح بهية جدا خاصة عندما تكثر تفاصيلها المعقدة الممتعة ، أنا أحب الأماكن الصغيرة المزدحمة بالتفاصيل و أحب الوحدة و أحبك ..

ربما نحب الوحدة لأننا نخاف ، نخاف من الآخر و نخاف من المجهول و نخاف من الآتي .. عندما تكون وحيدا فليس ثمة مساحة واسعة ليمتكلها هذا الخوف ، فليس هناك سبب لتخاف من نفسك !

ربما من لا يعرفون أنفسهم فقط هم من يخافون الوحدة .. يخافون من التعرف علي هذا الذي يسكنهم فلا يفسحون وقتا للقياه و يكتفون طول الوقت بالانغماس داخل الآخرين حتي نهايتهم
 لكن هل يعقل أن يلتقي أحدهم بنفسه لأول مرة عندما يموت ؟

ربما في القبر سنكون وحدنا ، القبور ليست مخيفة في نظري لكنها حزينة و شجنة ..  تبدو كقوالب مصمتة و صغيرة و لكن من يدري لربما هي عامرة بأشياء لا نعرفها و لا نستطيع رؤياها و ربما لا .. لا أعرف

و ربما نحب الوحدة لأن هناك مساحة في الإنسان تنزع ببساطة لتقديس النفس و تقديس الذات و تصبح الوحدة مكانا مثاليا لممارسة هذه الطقوس ..

و لذلك أنا .. أنا لا زلت أحبك في قول تميم ؛
و رأيت أن العرش أجمل و هو خال
أو هو العرش الذي فيه ملوك من خيال
آمن من كل خيبات الأمل
خير الجمال هو الجمال المحتمل
خير الجمال هو الجمال المحتمل

الجمعة، 1 يونيو 2012

رسالة إلي السيد عادي *11 عن الطريق والله و الشهداء

اليوم حدثت أشياء قاسية جدا ، جعلتني مدهوشة أنظر للدنيا كأني طفل قد ولد الآن ؛ جنين خرج إلي الحياة قبل اكتمالها هي لا اكتماله هو .. أيعقل ذلك حتي ؟!
لكني وسط ذلك كنت خائفة جدا ، خائفة لأني لا أعرف ما هو الطريق ، و حزينة أيضا لأن الله أخبرنا عن أشياء كثيرة لكنه رغم ذلك لم يخبرنا أي الطرق نسلك ؛ لازلت أذكر رد غادة عندما قالت : كيف يخبرنا عن الطريق و الطريق هو الاختبار !

كان يدور بخلدي سؤال أرهقني للغاية عن الفرق بين فئتين ممن ُيطلق عليهم مجاهدين كونهم معرضين للموت باستمرار ! ، الأمر استدعي تفكيرا طويلا و محادثة طويلة مع غادة لكن ذلك لم يسفر عن شئ
كنت أفكر كيف يتعرض الناس لنفس الظروف ثم يتمايزون بشدة في ردود أفعالهم و تجاوبهم معها ، مع اعتبار أن هذه الظروف هي تعريض النفس للموت ؛ الموت .. أكثر الحقائق وضوحا في الحياة البشرية

ونعم الفارق بين هولاء و أولئك هو الله ؛ نور سماوي طاهر متجاوز لا يعرفه سوي من سعي إليه و خبره ،
في وقت ما سابقا كنت أهزأ من فكرة اقتناع الناس بأن فلان يبدو وجهه مضئ و آخر وجهه مظلم  ، لكني الآن أذكر جيدا آخر مرة كنت فيها في زيارة خالي في المعتقل و كيف بدا وجهه جميلا مشرقا كأن به نور يتلألأ حتي تعلقت عيناي به طيلة الزيارة  ..

عندما يكون الله هو معادلة حياتنا كما تقول غادة تصبح الأشياء جميعها سهلة و يسيرة ،
لازلت أذكر أيضا أن لا شئ خفف علي روحي ما أصابها من ثقل و انهيار ملازمة التلفاز يوم موقعة الجمل سوي القراءة في أيام من حياتي لزينب الغزالي ؛ و أذكر ذلك الموقف الذي حكت فيه كيف أطلقوا عليها الكلاب و هي في الزنزانة و تقول أنها أغمضت عينها و أخذت تدعو الله و ظنت أنها ستفتحها لتجد ثيابها غارقة في الدماء و لكنهم عندما أخرجوها كانت كمن لم ينهشها ناب واحد !

لقد بقيت مشغولة لوقت طويل في حياتي بفكرة أن تكون نقيا خالصا من كل وجع الحياة و قسوتها كي تكون ردود أفعالك صافية و ناتجة عنك لا عنها ،
و يبدو أن هذا لم يكن صحيحا فهناك أناس يمرون بنفس الظروف و تكون ردود أفعالهم عنها متمايزة ..
و يبدو أيضا أن هذه فكرة ساذجة في مثاليتها ؛ فكيف اعتبرنا الوجع مثلا عاملا يؤثر فينا و لم نعتبر الفرح أيضا معه رغم أنه يفعل أيضا و أين بالأصل وُجدت حياة خالية من الشعور حزنه أو فرحه .. إنها بذلك تكون حياة خالية من الحياة !

الموت محدق بنا دوما و هو متخلل لكل تفاصيل حياتنا سواء تعرضنا له ظاهريا أم لم نفعل ، و اختبارات الحياة هي بنفس درجة العظمة و المشقة علي الجميع رغم اختلافها ؛ لذا فالفارق لم يكن يوما متعلقا بأين أنت بل بمن أنت !