الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

هواء المشفي البارد *

أتدثر بين أنفاسي كطفلة صغيرة تتكور مختبأة بين ساقي أمها ،  تتوسدني ذرات الهواء قارصة البرودة مستبيحة كل ثنايا جسدي و روحي ، أشعر الجو يتفلت من نفسه كأن خواء الفضا ضاق به فسكن أفئدة حلت هنا في هذه الليلة الموحشة ؛
وجوه الجميع تبدو مألوفة للغاية علي اختلافها و تنوعها فقد التبس بأرواحهم جميعا شجن دفين لا تخطؤه عين ،
الوحشة هنا لا يزيلها حتي ارتداء معطف ثقيل في شهر أغسطس ...

تنزلق قدماي المتجمدتين في سرعة لم أقدرها ، لم أكن أري تفاصيل ما حولي لكني كنت أشعره جميعه ؛
علي بعد لا يتجاوز عدة أمتار تجلس امرأة ضاربة في الكبر يتشح رأسها المنكفأ علي صدرها بمنديل أسود بسيط يلفحه تيار الهواء البارد ربما كل ثلاث ثوانٍ أو أربعة لكنها لم تكن تشعر بأي من ذلك .. فقط كان هناك جرح كبير ينزف بين دفتي صدرها الأيمن لكن أحدا ممن حولها لم يلاحظ شيئا ..

و علي جانبي الأيسر يقع الجسر الذي تتدحرج فوقه أقدام طفلين صغيرين أشعسا الشعر .. تعالت ضحكاتهم قليلا حين مرا من أمامي و في باطن يد كل منهم عملة معدنية دائرية يتسابقان علي قذفها في الهواء و التقاطها ، و علي ظاهرها تلك الأسلاك البلاستيكية التي تنتهي بإبرة تثقب جلودهم و تلون بشرتهم بأطياف زرقاء و بنفسجية مؤلمة ، علي الرغم من أن أمهاتهم يخبرونهم كل صباح أن هذه الأشياء تمنحهم طاقة كالتي لدي الأبطال الخارقون لكنهم لم يصدقوهم أبدا ..

و علي مقربة مني ستصل في غضون دقائق السيارة المتأخرة دوما ، لا أعرف إن كانت تتأخر في الحقيقة أو أن القدر هو الذي يسرع ؛ علي أي حال تصل و هي تقل رجلا في أواخر الأربعينات لا يري من الدنيا شيئا و لا يسمع و لا ينطق فقط تتهاوي روحه من بين جنبيه علي معزوفة أنين قاسية و تنطلق قدماه في الهواء كعاطفة هوجاء تائهة محتضنا بين يديه رضيعا كان يصرخ منذ قليل لكنه الآن قد صمت تماما و ربما إلي الأبد ..

علي بعد مدخلين من الباب الذي سلكته ، تقطن دُنيا منذ مدة ، اللون الأصفر الذي يخضب جسدها لم يخفي قسماتها الرقيقة لكن البقية الباقية من هزاله كانت تفصح عن كل شيء ، أعرف أنها تستيقظ ليلا كل نصف ساعة فزعة إذ يعجز ذلك الهواء البارد عن النفاذ إلي رئتيها ، تمتد يديها للطاولة جوارها و تقبض علي ذلك القناع الشفاف تسكنه علي أنفها و فمها لبضع دقائق و تعود للنوم  .

أثناء تجاوزي ساحات الانتظار هنا  أميز جيدا بين المرضي و ذويهم ، المرض ينخر الروح من داخلها و يُكَسر في النفس أشياء كثيرة لا يعرفها سوي المرضي ،  و يورث في نفوس ذويهم مزيج غريب من الخوف و الحب و الألم و القسوة
و العيون تفضح أصحابها .

قدماي الآن تنسحبان بين رؤوس الكثير من القابعين أرضا في كل بقعة يستقبلون موتاهم كل لحظة ، بعضهم ربما استمع لهمهمة الأطباء منذ أيام
أعرف لون خوفهم من أن تصير الهمهمة واقعا عما قريب ؛ لكن الأمر حين وقع أضحي مختلفا تماما ..

التفاصيل ربما كانت أكثر من ذلك لكني تناسيت بعضها عن عمد ؛
هنا أتمني لو يجمد الهواء البارد ذاكرتي كما يفعل بأطرافي مع كل دخول كي لا يضنيني شجن الوجع و رائحة الموت ..
هنا المشفي ؛ بقايا الإنسانية المستحيلة

* إهداء إلي مجهول

الجمعة، 20 مايو 2011

من أنت أيها الغريب ؟ *2

إنني أسأل إذ يقولون أن السؤال مفتتح الوصول ، كيف و السؤال عنك كان مبدأ كل الأسئلة التي لا يُهدي جوابها إلا حين نصل
فقد ولج بي عالما آخر ما ظننته موجودا قط و دار بي في أفلاك الكون و أبلغني منازلا ما حسبتني أتنزلها بسواه ،
كيف ذلك و أنا التي تتهكم ضاحكة حول فلسفة النساء من " العالم يبدأ عند ناظريه و قد ولدت من جديد بين يديه  ... " و ما يشبهه ،  أدركت الجواب حين فقدتك .. الأمر لم يتعلق يوما بـ " من أنت أيها الغريب " لطالما كان " من أنا أيها الغريب ؟ " .

بعض الأشياء نُمنح فيها البدء بقوة ، و لست أدري مم حصدت هي قوتها أمن كوننا بشر أو أنه قد حيز لها سلطان و سحر خاص ..تأسرنا بشغف نهتويه و ننكره ثم تبقي فينا لتعلن بنا في دقائق الحركات و السكنات عما حوته منا ..

إذ لم تكن تهتم بك و ما كنت تهتم لها فعلام اضطراب روحها و خفقة وجدها إذ يُذكر اسمك
و لم تكن تنظر إليك و ما كنت تنظر إليها فلم انقباضة قلبها و تصلب حروفها إذ تلمحك عن بعد
و أنت إذ وجب عليك الحديث فلمَ يخرج صوتك متقطعا متهدجا كأنك تجاهد لتقهر تأثرا و تنتسي شعورا
و لم تكن تعبأ بك و ما كنت تعبأ بها فعلام وقوفها عند المرآة و علام تتقن خطواتها إذ تعلمك تراقبها و لم حادت عن طريق كي لا تلقاك و هي تتمني لو تهيم علي وجهها باحثة عنك بكل مهوي في الأرض
و ما كنت لها شيئا و ما كانت شيئا لك .. فعلام شهقات القلب و خلجات الشعور و ارتباك الخواطر و كيف ذُهلت عن الكون كله إذ تلاقت عيناكما
ثم كيف تذهب عنك إليهم و ما وُجد ذاك بغيرك ..

و كم من الوقت نحتاج كي نُمتحن في تلك الأشياء و تنقطع الدنيا عنها ، بل كم من الألم قد نطيق  لنصل إلي هناك يوما ..
لقد تغيرت مذ وجدت أول جواب و لم يعد كل شئ يدور حولك .. زهدت فيك إذ رأيتك من الدنيا ثم اشتقتك في دنياي للحظات ،
  أتوق للحظة أشهدنا فيها علي عينه كي أعرفنا ؛ حينها أهمس بين شفتيك بأني " امرأة لم تكن تهوي فيك الجمال يوما بل الكمال " .

يبقي فيك سر مالي حول علي سبر أغواره و  تبقي داخل قلبي بمنزل ليس يبلغه إلاك
و لم يزل لك في النفس بوح لا يكون لغيرك ..
فقد أنكرت علي الإناث جميعا حديثهن عن الحب و لم أدرِ أي الكلمتين احتاجت لإعادة توصيف كونهن " إناث " أو كونه " حب " ؛  لم يعد لي شفيع سوي أن أسأل من أنت أيها الغريب ؟

الثلاثاء، 25 يناير 2011

رسالة إلي عنان (*)

لقد أخبرت نفسي أني سأحملك داخل روحي 
و أخبرك الآن يا ابنتي أن لم يكن لي من الأمر شئ
مثلك تماما ولدت يوما في مكان لم أختره و بين أناس لم أخترهم أيضا
و أخشي ظنك بما تراه عيناك أنه فعلتي أو فعلة أبناء جيلي
فالحقيقة أنه فعلتهم هم 
" هم " أشخاص غير محددي الصفة أو العَلم أو الهوية

عندما كنت في العاشرة كنت أجلس لمتابعة الجزيرة مع أبي 
كنت أعلم أن شريط العناوين أسفل الشاشة لا يحمل حتي عشر الحقيقة ، فالقصة طويلة علي ما يبدو
و كنت أعلم أنه بإمكاني استيعابها لكن أيضا ليس بإمكان أحد أن يقصها لطفلة دون أن يترك لديها أحكاما استباقية عن أن " فلان " كويس و " فلان " شرير 
لذلك كنت أتابع بصمت طوال الوقت ، قد يتفلت السؤال رغما عني في مرة أو مرتين فأسأل أبي : من " فلان " ؟
فلا أجد جواب ، فهو كان يعلم أن أسئلتي لا تنتهي و كنت أظن أنه لا بلوغ لجوابي إلي حين أصبح " كبيرة "

عندما كنت بالثانية عشرة من عمري ، كتبت خطة لإصلاح مصر في عدة مجالات
بالطبع ستضحكين مني ، ليس لهزال أفكاري  و لكن  من طفلة ظنت أن المشكلة هي عدم وجود حلول

عندما صرت بالرابعة عشرة من عمري ، علقت لوحة بغرفة مكتبي تحمل عنوان " هدفي في الحياة "
و ككل أبناء جيلي حمل السطر الرابع كلمات  " حاجة كبيرة " و " أمة " و " إسلام "

........

 سأخبرك الحقيقة يا عنان
و لكن بالبدء لابد أن تعلمي أن لا أحد يقول الحقيقة مجردة ، حتي أنا 
فالكل يخبر الحقيقة كما يراها ، لأن الكل " بشر "
لذا لا تكوني قاسية علي الآخرين و لا تصدقي تصنيف الناس لغيرهم بين أخيار و أشرار ، فهم أنفسهم لا يصدقون تلك الأوصاف إذ تُقال عنهم
و لكن إن أردتِ الوصول لحقيقة فاتبعي الحق
و الحق هو الله

الأمر الثاني هو أن عليكِ أن تعلمي أن جيلي و أجيال قبلي تحدثت كثيرا ظنا منهم أن الآخرين يجهلون
 و تعلم البعض كي يتحدثوا و تكلم الأكثر منهم دون علم
و لما صار المتحدثون يُعاقبون علي الحروف ، تيقن الجميع بأن الكلام هو الحل
لكن الحل كان موجودا طوال الوقت بانتظار من " يعلمون فيعملون "

أما الثالث فهو الأكثر وجعا
فلست أريدك أن تظني بأن جيلي عندما تخبط كان مخطئا
فالطريق يا عنان لم يكن فقط مظلما ، أيضا لم يبادر ثمة أحد بإشعال عود ثقاب و لست أعلم السبب
لكن ما أعلمه هو أنه توجب علي من أراد الوصول البحث عن النور بمفرده
لقد تعثرنا و نحن نرسم ملامح الطريق ، 
و تعثر جُلنا عندما قالوا " حاجة كبيرة و أمة و إسلام " 
و تعثروا أكثر من بحثوا عنهم
لكننا تعثرنا كي نصل 
و عندما تبدأين أنت و أقرانك بأولي خطاكم في الحياة ، ستمتد لكم يد العون من كل أبناء جيلي كي لا تتعثروا
لأن الأمة صرح ، عديد من الفرق تقوم بصياغة و صف اللبنات و واحدة فقط تتم البناء .


(*) عنان : اسم رمزي لابنتي