أتدثر بين أنفاسي كطفلة صغيرة تتكور مختبأة بين ساقي أمها ، تتوسدني ذرات الهواء قارصة البرودة مستبيحة كل ثنايا جسدي و روحي ، أشعر الجو يتفلت من نفسه كأن خواء الفضا ضاق به فسكن أفئدة حلت هنا في هذه الليلة الموحشة ؛
وجوه الجميع تبدو مألوفة للغاية علي اختلافها و تنوعها فقد التبس بأرواحهم جميعا شجن دفين لا تخطؤه عين ،
الوحشة هنا لا يزيلها حتي ارتداء معطف ثقيل في شهر أغسطس ...
تنزلق قدماي المتجمدتين في سرعة لم أقدرها ، لم أكن أري تفاصيل ما حولي لكني كنت أشعره جميعه ؛
علي بعد لا يتجاوز عدة أمتار تجلس امرأة ضاربة في الكبر يتشح رأسها المنكفأ علي صدرها بمنديل أسود بسيط يلفحه تيار الهواء البارد ربما كل ثلاث ثوانٍ أو أربعة لكنها لم تكن تشعر بأي من ذلك .. فقط كان هناك جرح كبير ينزف بين دفتي صدرها الأيمن لكن أحدا ممن حولها لم يلاحظ شيئا ..
و علي جانبي الأيسر يقع الجسر الذي تتدحرج فوقه أقدام طفلين صغيرين أشعسا الشعر .. تعالت ضحكاتهم قليلا حين مرا من أمامي و في باطن يد كل منهم عملة معدنية دائرية يتسابقان علي قذفها في الهواء و التقاطها ، و علي ظاهرها تلك الأسلاك البلاستيكية التي تنتهي بإبرة تثقب جلودهم و تلون بشرتهم بأطياف زرقاء و بنفسجية مؤلمة ، علي الرغم من أن أمهاتهم يخبرونهم كل صباح أن هذه الأشياء تمنحهم طاقة كالتي لدي الأبطال الخارقون لكنهم لم يصدقوهم أبدا ..
و علي مقربة مني ستصل في غضون دقائق السيارة المتأخرة دوما ، لا أعرف إن كانت تتأخر في الحقيقة أو أن القدر هو الذي يسرع ؛ علي أي حال تصل و هي تقل رجلا في أواخر الأربعينات لا يري من الدنيا شيئا و لا يسمع و لا ينطق فقط تتهاوي روحه من بين جنبيه علي معزوفة أنين قاسية و تنطلق قدماه في الهواء كعاطفة هوجاء تائهة محتضنا بين يديه رضيعا كان يصرخ منذ قليل لكنه الآن قد صمت تماما و ربما إلي الأبد ..
علي بعد مدخلين من الباب الذي سلكته ، تقطن دُنيا منذ مدة ، اللون الأصفر الذي يخضب جسدها لم يخفي قسماتها الرقيقة لكن البقية الباقية من هزاله كانت تفصح عن كل شيء ، أعرف أنها تستيقظ ليلا كل نصف ساعة فزعة إذ يعجز ذلك الهواء البارد عن النفاذ إلي رئتيها ، تمتد يديها للطاولة جوارها و تقبض علي ذلك القناع الشفاف تسكنه علي أنفها و فمها لبضع دقائق و تعود للنوم .
أثناء تجاوزي ساحات الانتظار هنا أميز جيدا بين المرضي و ذويهم ، المرض ينخر الروح من داخلها و يُكَسر في النفس أشياء كثيرة لا يعرفها سوي المرضي ، و يورث في نفوس ذويهم مزيج غريب من الخوف و الحب و الألم و القسوة
و العيون تفضح أصحابها .
قدماي الآن تنسحبان بين رؤوس الكثير من القابعين أرضا في كل بقعة يستقبلون موتاهم كل لحظة ، بعضهم ربما استمع لهمهمة الأطباء منذ أيام
أعرف لون خوفهم من أن تصير الهمهمة واقعا عما قريب ؛ لكن الأمر حين وقع أضحي مختلفا تماما ..
التفاصيل ربما كانت أكثر من ذلك لكني تناسيت بعضها عن عمد ؛
هنا أتمني لو يجمد الهواء البارد ذاكرتي كما يفعل بأطرافي مع كل دخول كي لا يضنيني شجن الوجع و رائحة الموت ..
هنا المشفي ؛ بقايا الإنسانية المستحيلة
* إهداء إلي مجهول
وجوه الجميع تبدو مألوفة للغاية علي اختلافها و تنوعها فقد التبس بأرواحهم جميعا شجن دفين لا تخطؤه عين ،
الوحشة هنا لا يزيلها حتي ارتداء معطف ثقيل في شهر أغسطس ...
تنزلق قدماي المتجمدتين في سرعة لم أقدرها ، لم أكن أري تفاصيل ما حولي لكني كنت أشعره جميعه ؛
علي بعد لا يتجاوز عدة أمتار تجلس امرأة ضاربة في الكبر يتشح رأسها المنكفأ علي صدرها بمنديل أسود بسيط يلفحه تيار الهواء البارد ربما كل ثلاث ثوانٍ أو أربعة لكنها لم تكن تشعر بأي من ذلك .. فقط كان هناك جرح كبير ينزف بين دفتي صدرها الأيمن لكن أحدا ممن حولها لم يلاحظ شيئا ..
و علي جانبي الأيسر يقع الجسر الذي تتدحرج فوقه أقدام طفلين صغيرين أشعسا الشعر .. تعالت ضحكاتهم قليلا حين مرا من أمامي و في باطن يد كل منهم عملة معدنية دائرية يتسابقان علي قذفها في الهواء و التقاطها ، و علي ظاهرها تلك الأسلاك البلاستيكية التي تنتهي بإبرة تثقب جلودهم و تلون بشرتهم بأطياف زرقاء و بنفسجية مؤلمة ، علي الرغم من أن أمهاتهم يخبرونهم كل صباح أن هذه الأشياء تمنحهم طاقة كالتي لدي الأبطال الخارقون لكنهم لم يصدقوهم أبدا ..
و علي مقربة مني ستصل في غضون دقائق السيارة المتأخرة دوما ، لا أعرف إن كانت تتأخر في الحقيقة أو أن القدر هو الذي يسرع ؛ علي أي حال تصل و هي تقل رجلا في أواخر الأربعينات لا يري من الدنيا شيئا و لا يسمع و لا ينطق فقط تتهاوي روحه من بين جنبيه علي معزوفة أنين قاسية و تنطلق قدماه في الهواء كعاطفة هوجاء تائهة محتضنا بين يديه رضيعا كان يصرخ منذ قليل لكنه الآن قد صمت تماما و ربما إلي الأبد ..
علي بعد مدخلين من الباب الذي سلكته ، تقطن دُنيا منذ مدة ، اللون الأصفر الذي يخضب جسدها لم يخفي قسماتها الرقيقة لكن البقية الباقية من هزاله كانت تفصح عن كل شيء ، أعرف أنها تستيقظ ليلا كل نصف ساعة فزعة إذ يعجز ذلك الهواء البارد عن النفاذ إلي رئتيها ، تمتد يديها للطاولة جوارها و تقبض علي ذلك القناع الشفاف تسكنه علي أنفها و فمها لبضع دقائق و تعود للنوم .
أثناء تجاوزي ساحات الانتظار هنا أميز جيدا بين المرضي و ذويهم ، المرض ينخر الروح من داخلها و يُكَسر في النفس أشياء كثيرة لا يعرفها سوي المرضي ، و يورث في نفوس ذويهم مزيج غريب من الخوف و الحب و الألم و القسوة
و العيون تفضح أصحابها .
قدماي الآن تنسحبان بين رؤوس الكثير من القابعين أرضا في كل بقعة يستقبلون موتاهم كل لحظة ، بعضهم ربما استمع لهمهمة الأطباء منذ أيام
أعرف لون خوفهم من أن تصير الهمهمة واقعا عما قريب ؛ لكن الأمر حين وقع أضحي مختلفا تماما ..
التفاصيل ربما كانت أكثر من ذلك لكني تناسيت بعضها عن عمد ؛
هنا أتمني لو يجمد الهواء البارد ذاكرتي كما يفعل بأطرافي مع كل دخول كي لا يضنيني شجن الوجع و رائحة الموت ..
هنا المشفي ؛ بقايا الإنسانية المستحيلة
* إهداء إلي مجهول
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق