حين يقع الموت من حولي يا عنان سواء حديثا أو حادثا حقيقيا أبدو أنا دوما كأكثر الأشخاص تماسكا عن الباقين ؛ ربما تظنين بأني أتجاهله حتي لا أعرف مذاقه .. لكن الحقيقة هي أني أتجاهله لأني أعرف مذاقه جيدا .. حياتي كلها مشبعة بتفاصيل الفراق ؛ اجترار الذكريات قد يبدو دوما للجميع شيئا رومانسيا يثير الشجن للحظات و يرحل ، لكنه في الحقيقة ليس كذلك لأصحاب الذكريات ؛ ببساطة لأننا تشكلنا من هذه الذكريات
ذكري اليوم الذي وقفت فيه بزاوية الشرفة ليخبرني فيه طفل صغير بأعظم خبر قد تسمعه طفلة في حياتها حتي أنه من هوله يبدو شيئا عصيا عن الفهم وفقا لمفردات عالمها الصغير ؛ لقد أخبرها بأن والدتها ماتت لكن ماذا يعني هذا بالضبط هي لا تعرف ؛ فقط لاحظت أنهم لم يعودوا للمنزل بعد ذلك اليوم و أنها انتقلت لمدرسة أخري و أن جدتها صارت تقوم بأشياء كثيرة من التي كانت تقوم بها ماما ..
لكن الأطفال يكبرون يا عنان و يفهمون تلك الأشياء العصية فقد شاء الله أن ترحل الجدة أيضا السنة الماضية ؛ و هذه المرة كنت أدرك جيدا معني الموت ربما لذلك شعرت بأن بكائي و حزني لم يكن علي جدتي فقط لأنه في الحقيقة كان عليها بالإضافة لحزن كبير مؤجل منذ خمسة عشر عاما ؛ فحينها فقط شعرت بأن أمي قد ماتت حقا ؛ لا أنكر أن فجيعتي فيها كانت كبيرة و طويلة حتي أني وصلت لمرحلة أدركت فيها بأني انشغلت عن الله بالحزن تماما كما ينشغل البعض عن الله بالفرح ..
رغم أن رحيل جدتي أزاح عني الخوف الذي كنت أشعر به كلما مرت سيارة تنادي باسم أحد الموتي في الشارع .. ذهب الخوف لأن الجدة ذهبت و لم يعد هناك قلقا علي أن أصاب بالحزن عليها مرة أخري ..
لكني رغم ذلك أخاف عليكِ أنتِ ، و لذلك أكتب لك هذه الرسائل و التي يظنها البعض جنونا ؛ فما الداعي لأن أكتب رسائل لمخلوق لم يوجد بعد و لا أعرفه و لا أعرف ما الذي يحتاجه .. أنا أعرف أنهم لا يعرفون بأني أخاف من أن أرحل أنا أيضا عنكِ و أنتِ صغيرة كما رحلت عني أمي ، رحلت قبل أن نتبادل حديثا واحدا ناضجا .. لذلك أنا أكتب لكِ هذه الرسائل لعلي أرحل مثلها و لعلك تجففين بين حروفها دموعك علي فراقي لكِ و تجدين بها سلوي لك أو نصيحة أو شعور أو سؤال أو جواب .. ربما تعلمك أيضا بأن هذه الأمر اعتيادي يا عنان .. الموت اعتيادي !
و لأجل هذه الرحلة الطويلة مع الموت لا تجدينني متأثرة إن تحدث الناس حولي عنه .. الموت يكسر أشياء لصيقة جدا بالروح .. و لا يعرف مذاق هذه الكسرات إلا من خبرها ..
لم أكن أحب أن تبدو هذه الرسالة حزينة بالنسبة إليك ؛ لكن هكذا الدنيا يا عنان ؛ دار فراق لا ينقطع .. لأن الآخرة هي دار البقاء الذي لا ينقطع أيضا
و رغم أن الرسالة لا تحتمل حديث الوعظ لكن تعلقي بالله يا عنان فليس باقٍ إلا وجهه ..
ذكري اليوم الذي وقفت فيه بزاوية الشرفة ليخبرني فيه طفل صغير بأعظم خبر قد تسمعه طفلة في حياتها حتي أنه من هوله يبدو شيئا عصيا عن الفهم وفقا لمفردات عالمها الصغير ؛ لقد أخبرها بأن والدتها ماتت لكن ماذا يعني هذا بالضبط هي لا تعرف ؛ فقط لاحظت أنهم لم يعودوا للمنزل بعد ذلك اليوم و أنها انتقلت لمدرسة أخري و أن جدتها صارت تقوم بأشياء كثيرة من التي كانت تقوم بها ماما ..
لكن الأطفال يكبرون يا عنان و يفهمون تلك الأشياء العصية فقد شاء الله أن ترحل الجدة أيضا السنة الماضية ؛ و هذه المرة كنت أدرك جيدا معني الموت ربما لذلك شعرت بأن بكائي و حزني لم يكن علي جدتي فقط لأنه في الحقيقة كان عليها بالإضافة لحزن كبير مؤجل منذ خمسة عشر عاما ؛ فحينها فقط شعرت بأن أمي قد ماتت حقا ؛ لا أنكر أن فجيعتي فيها كانت كبيرة و طويلة حتي أني وصلت لمرحلة أدركت فيها بأني انشغلت عن الله بالحزن تماما كما ينشغل البعض عن الله بالفرح ..
رغم أن رحيل جدتي أزاح عني الخوف الذي كنت أشعر به كلما مرت سيارة تنادي باسم أحد الموتي في الشارع .. ذهب الخوف لأن الجدة ذهبت و لم يعد هناك قلقا علي أن أصاب بالحزن عليها مرة أخري ..
لكني رغم ذلك أخاف عليكِ أنتِ ، و لذلك أكتب لك هذه الرسائل و التي يظنها البعض جنونا ؛ فما الداعي لأن أكتب رسائل لمخلوق لم يوجد بعد و لا أعرفه و لا أعرف ما الذي يحتاجه .. أنا أعرف أنهم لا يعرفون بأني أخاف من أن أرحل أنا أيضا عنكِ و أنتِ صغيرة كما رحلت عني أمي ، رحلت قبل أن نتبادل حديثا واحدا ناضجا .. لذلك أنا أكتب لكِ هذه الرسائل لعلي أرحل مثلها و لعلك تجففين بين حروفها دموعك علي فراقي لكِ و تجدين بها سلوي لك أو نصيحة أو شعور أو سؤال أو جواب .. ربما تعلمك أيضا بأن هذه الأمر اعتيادي يا عنان .. الموت اعتيادي !
و لأجل هذه الرحلة الطويلة مع الموت لا تجدينني متأثرة إن تحدث الناس حولي عنه .. الموت يكسر أشياء لصيقة جدا بالروح .. و لا يعرف مذاق هذه الكسرات إلا من خبرها ..
لم أكن أحب أن تبدو هذه الرسالة حزينة بالنسبة إليك ؛ لكن هكذا الدنيا يا عنان ؛ دار فراق لا ينقطع .. لأن الآخرة هي دار البقاء الذي لا ينقطع أيضا
و رغم أن الرسالة لا تحتمل حديث الوعظ لكن تعلقي بالله يا عنان فليس باقٍ إلا وجهه ..