الأحد، 20 مايو 2012

المسيري .. رحلة من أجل الإنسان


 

معزوفة إنسانية كاملة متفردة ؛ إنسانية حقيقية لم تمل البحث و النضال حتي وصلت و أوصلتنا معها لعالم نقي صافي فريد .. عالم كما أحبه المسيري بعيدا عن حوسلة الإنسان و تشيئه و تسلعه و سقوطه في العدمية ؛ يحيا فيه حرا متجاوزا منطلقا من مسئوليته و دوره الخلافي في الأرض ، المسيري الفليسوف الذي منح العالم علما واسعا بناه علي رؤي و تأمل و تفكر طويل لتنبع منه ببساطة روح الإنسان الحقة ، و المسيري المناضل الذي غالب المرض و نزل مع المتظاهرين منسقا عاما لحركة كفاية في ظروف اقتصادية و سياسية صعبة مصدقا علي قوله بأن المثقف الذي لا يترجم فكره إلي فعل لا يستحق لقب مثقف ،
و المسيري الإنسان الذي نظر أيما تنظير ثم جلس بين أحفاده يكتب قصصا للأطفال !

ولد المسيري بدمنهور لأسرة برجوازية وسطي ، فكانت دمنهور بمثابة البذور في رحلة المسيري التي منحته قيم المجتمع التقليدي و حمته من هجمة الحداثة و ساعدته في تأكيد هويته عندما سافر لأمريكا و لاحظ فيها اختلاف الأجواء التراحمية بين القري و المدن الكبيرة و بدأت أسئلة المسيري عن الحياة و الكون و غاية الوجود بالتوارد إلي ذهنه في سن صغيرة ، و عندما انتقل للأسكندرية لدراسة الأدب الانجليزي انضم للحزب الشيوعي و يقول المسيري بأن ما تبقي له من الماركسية هو لا شئ و كل شئ إذ أنه استوعب منها الكثير و انصهر ما استوعبه في رؤيته الإسلامية الإنسانية ، ثم سافر إلي أمريكا حيث حصل علي الماجستير و الدكتوراة و هناك تبدت له نماذج الفلسفة المادية الغربية و نزعاتها المهيمنة علي قطاع الخدمات و اللذة و السلع و كل تفاصيل حياة الفرد الغربي فبدأ ببناية نموذجه التفسيري الفريد الذي نقد من خلاله الفلسفة المادية نقدا مميزا ، ثم عاد إلي مصر و عكف علي كتابه عمله الأضخم موسوعة اليهودية و الصيهيونية .

كان جوهر رحلة المسيري بحثه و حيرته المستمرة حول كينونة الإنسان هل هو جزء من الطبيعة أو هو منفصل عنها ؛ فرأي أن الإنسان جزء من الطبيعة لكنه يتجزأ عنها و تفصله بينها مسافة أي أنه متجاوز لها .

 و توصل المسيري لفكرة النماذج التحليلية كي يتجاوز من خلالها الرصد المباشر و الموضوعية المادية دون السقوط في الذاتية ،  فكانت النماذج التحليلية أكثر تركيبا و أقدر علي إدراك الظواهر الإنسانية ، و من خلالها قام بنقد و تفكيك النموذج التفسيري للفلسفة المادية الغربية القائمة علي فكرة الحلول و الكمون في الطبيعة ، مما يترتب علي ذلك من نزع للقداسة عن الإنسان و انهيار المنظومة القيمية و الأخلاقية ، و تصبح القوانين الحاكمة هي قوانين الطبيعة " البقاء للأقوي " .
 و قام بنقد التشيء و التسلع و الاستهلاك الناتج عن الرأسمالية العالمية الابنة الشرعية للمادية الغربية ، و نقد الحداثة كنموذج كامن يفتقر للإنسانية و لا يستمد قوته من الإنسانية العامة أو حتى الخصوصية الثقافية للإنسان.
و أتي إعادة تعرفيه للعلمانيتين الجزئية و الشاملة كتطبيق عملي لرؤيته الانسانية ، و تفرد المسيري في طرح البديل الإسلامي كونه المنظومة الانسانية المتكاملة الوحيدة المتفردة تماما .

" إنّ الايمان لم يولد داخلي إلا من خلال رحلة طويلة وعميقة، إنه إيمان يستند إلى رحلة عقلية طويلة ولذا فانه إيمان عقلي لم تدخل فيه عناصر روحية فهو يستند إلى عجز المقولات المادية عن تفسير الإنسان وإلى ضرورة اللجوء إلى مقولات فلسفية أكثر تركيبية "1 


(1) عبدالوهاب المسيري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق